ابن كثير

45

السيرة النبوية

فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة . فمضيت حين ذكروهما لي . * * * ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف . فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة . فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم ، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد ، وآتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة ، وأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام على أم لا ؟ ثم أصلى قريبا منه فأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلى ، وإذا التفت نحوه أعرض عنى . حتى إذا طال على ذلك من جفوة الناس مشيت حتى ( 1 ) تسورت جدار حائط أبى قتادة - وهو ابن عمى وأحب الناس إلى - فسلمت عليه ، فوالله ما رد على السلام ، فقلت : يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت . فعدت له فنشدته فسكت ، فعدت له فنشدته فقال : الله ورسوله أعلم ، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : وبينا أنا أمشى بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدلني على كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له ، حتى إذا جاءني دفع إلى كتابا من ملك غسان في سرقة من حرير فإذا فيه : أما بعد ، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة ، فالحق بنا نواسك . فقلت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء ! فتيممت بها التنور فسجرته بها .

--> ( 1 ) ا : حتى إذا .